→ كل المقالات

على خُطى الهجرة، أربعة عشر يومًا

حين تفتحون أوّاب أول مرة، لا يضع بين أيديكم لوحة أرقام، بل طريقًا: أربعة عشر يومًا على هيئة أعظم رحلة أثرًا في التاريخ الإسلامي، الهجرة. فالعودة إلى الصلاة هي هجرة، والهجرة تُقطع يومًا بعد يوم.

قبل أربعة عشر قرنًا، ترك النبي ﷺ أحبّ البلاد إليه، لأن البقاء فيها كان يعني أن إيمانه وجماعته لن يصمدا هناك. فخرج هو وأبو بكر من مكة خِفية، واختبآ في غار ثور بينما كانت جماعات الطلب تمشّط الجبال. ثم جاء العبور الطويل، بدليل يسلك بهما طريق الساحل، بعيدًا عن الطرق المعتادة. وفي آخره: المدينة، مدينة ستُبنى حول الصلاة والأخوّة وبداية جديدة.

اخترنا هذه الهيئة عن قصد. فكل من ابتعد عن الصلاة ثم قرّر العودة يعرف هذه المراحل الثلاث جيدًا، وإن لم يسمّها قط. ويعرض هذا المقال كل مرحلة كما تصفها المصادر الصحيحة، وما تعلّمه عن العودة، وكيف بُنيت الرحلة في أوّاب حولها.

لماذا الهجرة، لا جدول عادات؟

كلمة الهجرة تعني ترك مكان إلى آخر، وقد أعطاها النبي ﷺ معنى باطنًا مفتوحًا للجميع. وأول حديث في صحيح البخاري عنها: «إنما الأعمال بالنيات»، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله (صحيح البخاري 1). وأخبر كذلك أن المهاجر حقًّا من هجر ما نهى الله عنه (صحيح البخاري 10). وبعد فتح مكة أخبر الناس أن الهجرة من مكة قد انتهت، لكن الجهاد والنية باقيان (صحيح البخاري 2783).

فكل مسلم يعود إلى الصلاة يقوم بهجرة صغيرة خاصة به: يترك عادة أو صحبة أو شاشة، ويمضي نحو ما هو خير. ويعد القرآن من يهاجر في سبيل الله بأن يجد في الأرض مُراغَمًا كثيرًا وسعة (القرآن 4:100). وهذه قصة تستحق أن تُمشى، وهي أرحم بكثير من علامة خطأ حمراء على جدول.

أيام في الغار

تبدأ الهجرة في الخفاء. فقد وصفت عائشة كيف بلغ النبي ﷺ وأبوها غارًا في جبل ثور ومكثا فيه ثلاث ليال (صحيح البخاري 3905). ولم يكن في تلك الليالي ما يشبه التقدّم. رجلان جالسان في الظلام، وأهل مكة يعرضون جائزة لمن يأتي بهما.

ومع ذلك كان الغار مليئًا بإعداد هادئ. فأسماء بنت أبي بكر قطعت قطعة من نطاقها لتربط بها سفرة طعامهما، فعُرفت بعد ذلك بذات النطاقين. وأخوها عبد الله كان يبيت عندهما كل ليلة ثم يعود إلى مكة قبل الفجر، ليأتيهما بخبر كل مكيدة. وعامر بن فهيرة كان يرعى غنمًا قريبًا منهما فيأتيهما باللبن الطازج بعد العتمة، ثم يسوق الغنم بعيدًا قبل الصباح (صحيح البخاري 3905). أهل بيت كامل جعلوا الرحلة ممكنة في هدوء.

وفي ذلك الظلام جاءت لحظة من أقرب لحظات القرآن إلى القلب. رأى أبو بكر أقدام المطاردين عند فم الغار، فهمس: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا. فأجابه النبي ﷺ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» (صحيح البخاري 3653، صحيح مسلم 2381). وقد حفظ القرآن تلك اللحظة:

إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا

صاحبه: أبو بكر الصديق · إن الله معنا: بنصره وحفظه وتأييده.

القرآن 9:40

والأيام الأولى من أي عودة تشبه هذا. لا شيء يبدو مختلفًا من الخارج، ولم «تُنجزوا» شيئًا بعد. وأيام أوّاب الأولى هادئة عن قصد: نية صادقة واحدة، وصلاة أولى، وأول مساء من الذكر. والغار يعلّم أمرين معًا. فقد خطّط النبي ﷺ بعناية، بزاد ورقيب ودليل، وتوكّل على الله تمام التوكّل. فالأخذ بالأسباب والتوكّل على الله لم يتعارضا قط.

العُبور

ثم يأتي الوسط الذي لا بريق فيه. فقد استأجر المسافران دليلًا خبيرًا بالصحراء، رجلًا كان لا يزال على دين قريش، وائتمناه على راحلتيهما. وبعد ثلاث ليال أتى بالراحلتين إلى الغار كما وعد، وسلك بهما طريق الساحل (صحيح البخاري 3905). فالكفاءة والأمانة هما ما كان مهمًّا، وقد أدّاهما كليهما.

ولم ينتهِ الخطر بخروجهما من الغار. فقد سمع سراقة بن مالك أن المسافرَين قد رُئيا، فركب في أثرهما طمعًا في الجائزة. فلمّا دنا منهما عثرت فرسه وساخت يداها في الأرض حتى بلغتا الركبتين. فترك الطلب، وعرض عليهما الزاد فلم يقبلا، وسألهما كتاب أمن، فكتبه له عامر بن فهيرة (صحيح البخاري 3906). فالرجل الذي خرج ليأسرهما عاد إلى بيته وفي يده كتاب أمان.

وهنا تموت أكثر العادات الحديثة: في الأسبوع الثاني، حين تخبو الجِدّة وتنادي الحياة القديمة. والأيام الوسطى من رحلة أوّاب مبنية لهذه المسافة تحديدًا: فالدِّرع يوقف التطبيقات التي تختارونها حتى تصلّوا، وصلوات كل يوم ظاهرة على خريطة الرحلة، وتذكيرات قصيرة للمداومة لا للسرعة. والعبور يعلّم أن المداومة ضرب من الشجاعة، وأن العون كثيرًا ما يأتي من حيث لا نتوقّع.

لم تكن الهجرة رحلة على بساط سحري. كانت أيامًا من المسير. وكذلك عودتكم.

الوصول إلى المدينة

في المدينة، سمع المسلمون أن النبي ﷺ قد خرج من مكة. فكانوا يخرجون كل صباح إلى الحرّة عند طرف المدينة وينتظرون حتى يردّهم حرّ الظهيرة. وفي يوم، بُعيد رجوعهم، رأى رجل على أُطُم من آطامهم المسافرين من بعيد فصاح بالخبر، فخرجت المدينة لاستقبالهما (صحيح البخاري 3906).

وأول ما بناه النبي ﷺ مسجد. فقد نزل عند أهل قباء وأسّس المسجد هناك، ثم ركب إلى المدينة. وحيث بركت ناقته، في مِربد لغلامين يتيمين، بنى المسجد الذي صار مسجده، وكان ينقل اللَّبِن بنفسه (صحيح البخاري 3906). فقد نُظّمت الحياة الجديدة حول الصلاة من أول لَبِنة.

والثاني الذي بناه الأخوّة. فقد آخى بين المهاجرين من مكة والأنصار، مؤمني المدينة. ولمّا عرض سعد بن الربيع على عبد الرحمن بن عوف نصف ما يملك، شكره عبد الرحمن، ودعا له بالبركة في أهله وماله، ولم يطلب إلا أن يُدلّ على السوق (صحيح البخاري 2049). كرم من جهة، وعزّة نفس من جهة: هكذا تبدو البداية الجديدة حين تكون مشتركة.

والأيام الأخيرة من رحلة أوّاب عن بناء مدينتكم الخاصة: العادات، والمراسي، والأعمال الصغيرة من العبادة التي تحوّل أسبوعين من الجهد إلى طريقة حياة. وفي النهاية يتراجع التطبيق إلى ما أُريد له دائمًا: رفيق، لا عكّاز.

كيف تعمل الرحلة في التطبيق

الرحلة أربعة عشر يومًا، وخريطتها مقسومة إلى الفصول الثلاثة نفسها: ثلاثة أيام في الغار، وثمانية أيام من العبور، وثلاثة أيام للوصول إلى المدينة. فيكون المجموع سبعين صلاة، خمسًا في كل يوم. ويكتمل اليوم على الخريطة حين تسجّلون صلواته الخمس كلها، وفي كل يوم مشهد قصير من الهجرة، وعمل صغير، ووقفة تأمّل. ويمكن لتذكيرات لطيفة في الصباح ومنتصف النهار أن تخبركم بموضعكم من الطريق، ويمكنكم إيقافها.

الأيام الأربعة عشر إطار لعودتكم، لا جدول تاريخي للهجرة. فالمصادر تعطينا الليالي الثلاث في الغار، والدليل، وطريق الساحل، وسراقة، والوصول. ولا تعطينا مسارًا يومًا بيوم، فلا نخترع واحدًا.

وإن فاتكم يوم، فالرحلة لا توبّخكم. تكملون من حيث أنتم، فالصحابة أيضًا مرّت بهم أيام صعبة على ذلك الطريق، وواصلوا المسير.

قصة، لا قائمة مهامّ

قوائم المهامّ تخاطب التقويم، والقصص تخاطب القلب. قائمة المهامّ تقول «اليوم 8 من 14». والقصة تقول «أنتم الآن في الصحراء؛ وقد شعر الصحابة بهذا أيضًا، وواصلوا». وحين اختار الصحابة بداية التقويم الإسلامي، لم يبدؤوه من مولد النبي ﷺ ولا من أول الوحي، بل من مقدمه المدينة (صحيح البخاري 3934). فكل ما تلا ذلك بدأ برحلة شاقّة نحو حياة أفضل. وعودتكم إلى الصلاة تستحق أن تُؤطَّر بهذه الكرامة.

الرحلة موجودة في التطبيق على iPhone وعلى Android. وإن أردتم القصة نفسها، فـبطاقات المعرفة تروي سيرة النبي ﷺ في ثمانية فصول، منها الإسراء والمعراج والهجرة، إلى جانب سير الأنبياء الخمسة والعشرين المذكورين في القرآن كلهم.

المصادر

إحالات القرآن تفتح الآية على quran.com، وإحالات الحديث تفتح الرواية على sunnah.com حيث يمكن قراءة النصّ كاملًا. وروايات صحيح البخاري وصحيح مسلم مقبولة الصحة عند علماء الحديث؛ أما سائر الكتب فيُذكر الحكم بجانب الإحالة.

  1. القرآن 9:40: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا».
  2. القرآن 4:100: من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغَمًا كثيرًا وسعة.
  3. صحيح البخاري 1: إنما الأعمال بالنيات، والهجرة إلى الله ورسوله.
  4. صحيح البخاري 10: المهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
  5. صحيح البخاري 2783: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية.
  6. صحيح البخاري 3905: رواية عائشة: أسماء، والليالي الثلاث في ثور، وعامر بن فهيرة، والدليل.
  7. صحيح البخاري 3653 وصحيح مسلم 2381: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما».
  8. صحيح البخاري 3906: مطاردة سراقة، والوصول، وقباء، وبناء مسجد النبي ﷺ.
  9. صحيح البخاري 2049: عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع.
  10. صحيح البخاري 3934: التأريخ من مقدم النبي ﷺ المدينة.
ابدؤوا الرحلة اقرؤوا قصص الأنبياء